سليمان بن موسى الكلاعي

408

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

شاء الله ، قصدا للتهذيب وحرصا على الجمع بين الإمتاع والإيجاز بحول الله سبحانه . وأفتتح بما افتتح به المدائني هذه القصة للذي ذكرته من حسن اتصال حديثه . قال : ولما فتح أبو عبيد ما فتح ، وهزم تلك الجنود ، ونزل الحيرة ، ورجعت المرازبة إلى يزدجرد منهزمين ، شمتهم ، وأقصاهم ، ودعا بهمن ذا الحاجب فعقد له على اثنى عشر ألفا ، وقال له : قدم هؤلاء الذين انهزموا ، فإن انهزموا فاضرب أعناقهم ، ودفع إليه درفش كايبان ، راية كانت لكسرى فكانوا يتيمنون بها ، وكانت من جلود النمور ، عرضها ثمانية أذرع في طول اثنى عشر ذراعا ، وأعطاه سلاحا كثيرا ، وحمل معه من أداة القتال وآله الحرب أوقارا من الإبل ، ودفع إليه الفيل الأبيض ، فخرج في عدة لم ير مثلها . وفى كتاب سيف أن رستم هو صاحب ذلك ، وأنه الذي رجع إليه الجالينوس ومن أفلت من جنده بناء على ما قدمنا من الاختلاف في ملك فارس إلى من كان حينئذ . قال : فقال رستم : أي العجم أشد على العرب فيما ترون ؟ قالوا : بهمن جاذويه ، وهو ذو الحاجب ، فوجهه ومعه الفيلة ، ورد جالينوس معه . وذكر بعض ما تقدم . وبلغ المسلمون مسيرهم ، فقال المثنى لأبى عبيد : إنك لم تلق مثل هذا الجمع ولا مثل هذه العدة ، ولمثل ما أتوك به روعة لا تثبت لها القلوب ، فارتحل من منزلك هذا حتى نعبر الفرات ونقطع الجسر وتصير الفرات بينك وبينهم فتراهم ، فإن عبروا إليك قاتلتهم ، واستعنت الله ، قال : إني لأرى هذا وهنا ، ثم أخذ برأي المثنى فعبر الفرات ونزل المروحة وقطع الجسر ، وأقبل بهمن فنزل قس الناطف ، بينه وبين أبى عبيد الفرات ، وأرسل إلى أبى عبيد : إما أن تعبر إلينا ، وإما أن نعبر إليك . فقال أبو عبيد : نعبر إليكم . فقال المثنى أذكرك الله والإسلام أن لا تعبر إليهم ، فحلف ليعبرن إليهم ، ودعا ابن صلوبا فعقد له الجسر فقال سليط بن قيس الأنصاري : يا أبا عبيد أذكرك الله ألا تركت للمسلمين مجالا ، فإن العرب من شأنها أن تفر ثم تكر ، فاقطع هذا الجسر وتحول عن منزلك وانزل أدنى منزل من البر وتكتب إلى أمير المؤمنين فتعلمه ما قد أجلبوا به علينا ، ونقيم فإذا كثر عددنا وجاء مددنا رجعنا إليهم وبنا قوة ، وأرجو أن يظهرنا الله عليهم . قال : جبنت والله يا سليط . قال : والله إني لأشد منك بأسا ، وأشجع منك قلبا ، ثم تقدم فعبر ، فقال المثنى لأبى عبيد : والله ما جبن ، ولكن أشار بالرأي ، وأنا أعلم بقتال هؤلاء منك ، لئن عبرت إليهم في ضيق هذا المطرد ليجزرن المسلمين هذا العدو . وقال : والله لأعبرن إليهم ، وكان رسول بهمن قد قال : إن أهل فارس قد عيروهم ، يعنى المسلمين ، بالجبن